الشيخ محمد الصادقي
284
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
سياجاً عليها التخويف الأخروي ، فالعقوبات الدنيوية بالنسبة لأمثال هذه الجرائم ضمانات وقائية لتطهير الجوّ وتداوم طهارته . فترك الألسنة تزلق كما تهوى على الأبرياء بلا منعة إلّا تخويفاً عما بعد الموت ، يترك المجال فسيحاً لتكدير الجوز فتكويره عن أدبه الجماهيري ، فتصبح الجماعة وتمسي وإذا بأعراضها مُجرَحة ، وسُمعتها ملوثة مدنسة ، وإذا بكلٍ من الزوجين شاك في زوجه ، وبكل فردٍ شاك في أصله ونسله . لذلك فليجعل الفاحش والقاذف في زاوية بعيدة عن الخلق « وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً » وعن الخالق « وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ » ومعهما العذاب الحدّ يوم الدنيا ، اللهم إلّا أن يتوب ويثوب إلى ربه ويُصلح حاله . كذلك وتحريم زواج الزانية والزاني بمسلم ومسلمة عزلة ناكبة بئيسة تزيلها التوبة ف « لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ . لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ » « 1 » وكما هنا وفي ( 30 ) إلّا ذيلها . « إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ » « 2 » . الإفك هو المصروف عن وجهه عقيدة أو قولًا أو فعلًا عامداً عانداً ، وهنا المقصود إفك القول : « إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ » إفتراءً على بيت الرسالة القدسية المحمدية والذين معه ، ولا يعني « بِالْإِفْكِ » هذا فرية واحدة تختلف فيها كلمة المسلمين بين مارية القطبية « 3 »
--> ( 1 ) 24 : 14 ( 2 ) 24 : 11 ( 3 ) ) نور الثقلين 3 : 581 - القمي باسناده عن زرارة قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول لما هلك إبراهيم ابنرسول اللَّه صلى الله عليه وآله حزن عليه حزناً شديداً فقالت عائشة ، ما الذي يحزنك عليه ؟ ما هو إلّا جريح ! فبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام وامره بقتله فذهب علي عليه السلام ومعه السيف وكان جريح القبطي في حائط فضرب على باب البستان فأقبل جريح له ليفتح الباب فلما رآى علياً عليه السلام عرف في وجهه الغضب فادبر راجعاً ولم يفتح باب البستان فوثب علي عليه السلام على الحائط ونزل إلى البستان واتبعه وولى جريح مدبراً فلما خشي ان يرهقه صعد في نخلة وصعد علي في اثره فلما دنى منه رمى بنفسه من فوق النخلة فبدت عورته فإذا ليس له ما للرجال ولا له ما للنساء فانصرف علي عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال له : يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ! إذا بعثتني في الامر أكون كالمسمار المحمي في الوبر أم أثبت ؟ قال : لا بل تثبت - قال : والذي بعثك بالحق ما له ما للرجال وما له ما للنساء فقال : الحمد للَّهالذي صرف عنا السوء أهل البيت ! . أقول : أصل الافك في مارية ما عساه يقبل ، الّا ان في حديثه هذا اموراً عدة يجب ان تنزه ساحة الرسول صلى الله عليه وآله عنها ، كيف يقبل الرسول قول امرأة في هكذا افك ثم يبعث علياً لقتل المقذوف دون المقذوفة ، رغم انه لو ثبتت تلك الفاحشة فالمحصنة هي التي ترجم دون الزاني غير المحصن فإنه يجلد ؟ وكيف لم يحدّ عائشة بدلًا عن جريح لقذفها ان كانت هي الآفكة ؟ والآيات التالية لآية الافك تدل بصراحة انها نازلة بعد آيات الشهداء الأربعة وقذف الرامي ولأن سورة النور مترتبة الآيات كما هي نزولًا فتلك متقدمة على آية الافك ، ثم وهي تندد كأشد ما يكون بمن يظن شراً إذ يسمعه افكاً بمؤمن أو مؤمنة « وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ » وما ابعد ساحة الرسول عن هذه التخلفات التي هي بعيدة عن المتوسطين في الايمان